مجمع البحوث الاسلامية
208
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته
لوجه من الشّبه ، وقيل : حمل الشّيء على الشّيء وإجراء حكمه عليه لشبه بينهما عند الحامل . وقال أبو هاشم رحمه اللّه : « حمل شيء على شيء وإجراء حكمه عليه » ، ولذلك سمّي المكيال مقياسا ، من حيث كان يحمل عليه ما يراد كيله ، وكذلك يسمّون ما يقدر به النّعّال مقياسا أيضا ، ولذلك لا يستعمل « القياس » في شيء من غير اعتبار له بغيره ، وإنّما يقال : قست الشّيء بالشّيء ، فلا يقال لمن شبّه شيئا بشيء من غير أن يحمل أحدهما على الآخر ويجري حكمه عليه : قايس ، ولو جاز ذلك لجاز أن يسمّى اللّه تعالى قايسا ، لتشبيهه الكافر بالميّت ، والمؤمن بالحيّ ، والكفر بالظّلمة ، والإيمان بالنّور . ومن قال : « القياس » : استخراج الحقّ من الباطل ، فقد أبعد ، لأنّ النّصوص قد يستخرج بها ذلك ولا يسمّى قياسا ، ومثال القياس قولك : إذا كان ظلم المحسن لا يجوز من حكيم فعقوبة المحسن لا تجوز منه ، والفقهاء يقولون : هو حمل الفرع على الأصل لعلّة الحكم . و « الاجتهاد » موضوع في أصل اللّغة لبذل المجهود ، ولهذا يقال : اجتهد في حمل الحجر ، إذا بذل مجهوده فيه ، ولا يقال : اجتهدت في حمل النّواة . وهو عند المتكلّمين : ما يقتضي غلبة الظّنّ في الأحكام الّتي كلّ مجتهد فيها مصيب ، ولهذا يقولون : قال أهل الاجتهاد : كذا ، وقال أهل القياس : كذا ، فيفرّقون بينهما . فعلى هذا الاجتهاد أعمّ من القياس ، لأنّه يحتوي على القياس وغيره . وقال الفقهاء : الاجتهاد : بذل المجهود في تعرّف حكم الحادثة من النّصّ ، لا بظاهره ولا فحواه ، ولذلك قال معاذ : « أجتهد رأيي فيما لا أجد فيه كتابا ولا سنّة » . وقال الشّافعيّ : « الاجتهاد والقياس واحد » وذلك أنّ الاجتهاد عنده هو أن يعلّل أصلا ويردّ غيره إليه بها ، فأمّا الرّأي : فما أوصل إليه الحكم الشّرعيّ من الاستدلال والقياس ، ولذلك قال معاذ : « أجتهد رأيي » . وكتب عمر : « هذا ما رأى عمر » ، وقال عليّ عليه السّلام : « رأيي ورأي عمر أن لا يبعن ، ثمّ رأيت بيعهنّ » يعني أمّهات الأولاد ، وفيه دلالة على بطلان قول من يردّ الرّأي ويذمّه . والتّرجيح : ما أيّد به العلّة ، والخبر ، إذا قابله ما يعارضه . والاستدلال : أن يدلّ على أنّ الحكم في الشّيء ثابت من غير ردّه إلى أصل . و « الاجتهاد » لا يكون إلّا في الشّرعيّات ، وهو مأخوذ من بذل المجهود واستفراغ الوسع في النّظر في الحادث ، ليردّه إلى المنصوص ، على حسب ما يغلب في الظّنّ ، وإنّما يوسع ذلك مع عدم الدّلالة والنّصّ . ألا ترى أنّه لا يجوز لأحد أن يقول : إنّ العلم بحدوث الأجسام اجتهاد ، كما أنّ سهم الجدّ اجتهاد ، ولا يجوز أن يقال : وجوب خمسة دراهم في مئتي درهم مسألة اجتهاد ، لكون ذلك مجمعا عليه . وقد يكون القياس في العقليّات ، فالفرق بينه وبين الاجتهاد ظاهر . ( 60 ) الهرويّ : الجهاد : المبالغة واستفراغ ما في الوسع بحرب أو لسان . أو ما أطاق من شيء . وفي حديث أمّ معبد : « شاة خلّفها الجهد عن الغنم » أي الهزال ، يقال : جهد الرّجل فهو مجهود ، إذا هزل .